top of page

العلم في مواجهة "الشعبوية الطبية": لماذا يعد العبث بأدوية الأمراض المزمنة انتحاراً بطيئاً؟

  • صورة الكاتب: khaled A.
    khaled A.
  • 21 ديسمبر 2025
  • 2 دقيقة قراءة


في الآونة الأخيرة، تصاعدت موجة ما يمكن تسميته بـ "الشعبوية الطبية"، وهي تيار يتبناه البعض عبر منصات التواصل الاجتماعي، يعتمد على دغدغة مشاعر المرضى بإقناعهم أن "الطب التقليدي يتآمر عليهم"، وأن "الأدوية سموم"، وأن الحل السحري يكمن في مخالفة كل ما أجمعت عليه الهيئات العلمية العالمية. نناقش هنا بهدوء علمي، ومن واقع المسؤولية الطبية، المغالطات الخطيرة التي يروج لها البعض (مثل وقف أدوية الكوليسترول والضغط، وشيطنة النباتات) وتفنيدها فسيولوجياً وإكلينيكياً.

١. مغالطة "الكوليسترول البريء" ومؤامرة الستاتين

يروج البعض لفكرة أن الكوليسترول مادة حيوية للجسم (وهذا حق) ليرتبوا عليها باطلاً وهو أن "ارتفاعه لا يضر" وأن أدوية الدهون (Statins) مؤامرة تجارية.

  • التفنيد العلمي:

    • الفسيولوجيا المرضية (Pathophysiology): نعم، الكوليسترول ضروري لبناء الخلايا والهرمونات، لكن الجسم يصنع كفايته. المشكلة تكمن في البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL) وتحديداً الجزيئات الصغيرة الكثيفة منه. العلم أثبت عبر آلاف التشريحات وعينات الأنسجة أن جزيئات LDL تتأكسد وتخترق بطانة الشريان (Endothelium)، مما يثير استجابة مناعية تكون "الخلايا الرغوية" (Foam Cells)، وهي نواة تصلب الشرايين.

    • الخطر: إنكار دور الكوليسترول في أمراض القلب هو أشبه بإنكار دور الجاذبية في السقوط. التوقف عن أدوية الدهون لمريض لديه تاريخ عائلي أو دعامات قلبية يعني السماح للصفيحات بالترسب مجدداً، مما يعجل بحدوث انسداد تان (Re-infarction).

٢. كارثة "وقف أدوية الضغط" والاعتماد على الغذاء فقط

الدعوة لوقف أدوية الضغط فوراً واستبدالها بنظام غذائي (مثل الكيتو أو الكارنيفور) بدعوى أن "الضغط عرض وليس مرض".

  • التفنيد العلمي:

    • ظاهرة الارتداد (Rebound Phenomenon): العديد من أدوية الضغط (مثل حاصرات بيتا) لا تعمل فقط على توسيع الشرايين، بل تنظم كهرباء القلب ومستقبلاته. التوقف المفاجئ يؤدي إلى "عاصفة" من الارتفاع الحاد في الضغط، مما قد يفجر شريانًا ضعيفًا في المخ (Nontraumatic Intracerebral Hemorrhage).

    • الضرر الصامت: ارتفاع الضغط لا أعراض له غالباً، لكنه يمارس ضغطاً ميكانيكياً (Shear Stress) على النيفرونات في الكلى. حين يكتشف المريض الكارثة بعد سنوات من وقف الدواء، يكون قد وصل لمرحلة الفشل الكلوي غير المرتجع (ESRD). الغذاء عامل مساعد أساسي، لكنه ليس بديلاً فورياً عن الدواء في الحالات المستقرة دوائياً.

٣. أسطورة "الخضراوات سامة" ونظام اللحوم الصرف (Carnivore)

الادعاء بأن النباتات تحتوي على "سموم دفاعية" (مثل الأوكسالات والليكتين) وأن الإنسان يجب أن يعيش على اللحوم والدهون فقط.

  • التفنيد العلمي:

    • مغالطة التعميم: المركبات التي يُحذر منها هؤلاء (Anti-nutrients) يتخلص الإنسان من 90% من ضررها عبر الطهي والنقع، بل إن بعضها يعمل كمضادات أكسدة تحمي من السرطان (Phytochemicals).

    • الميكروبيوم (Gut Microbiome): أثبتت الدراسات الحديثة أن بكتيريا الأمعاء النافعة تتغذى حصرياً على الألياف النباتية لتنتج "الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة" (SCFAs) المسؤولة عن مناعة الجسم وصحة القولون. حمية اللحوم الصرفة تجوع هذه البكتيريا، مما يدمر الغشاء المخاطي المبطن للأمعاء ويزيد من نفاذيتها (Leaky Gut) والالتهابات الجهازية، ناهيك عن الإجهاد الكلوي الناتج عن تصفية كميات هائلة من البروتين وحمض اليوريك.

٤. الطب لا يُؤخذ بالتجربة الفردية (n=1)

يعتمد هؤلاء على جملة "جربت وارتحت" أو قصص شفاء فردية.

  • المنهجية العلمية: في الطب، التجربة الفردية هي أضعف أنواع الأدلة. قد يشعر المريض بتحسن مؤقت عند وقف الدواء (تأثير بلاسيبو أو زوال أعراض جانبية)، لكن المرض الأساسي يستمر في النخر بصمت في أجهزته الحيوية. الطب يبنى على دراسات موسعة (RCTs) تشمل عشرات الآلاف وتستمر لسنوات لضمان الأمان والفعالية.

ختامًا:

جسدك ليس ساحة للعناد مع شركات الأدوية، وصحتك ليست لعبة "تريند". الطبيب الذي يكتب لك الدواء لا يستفيد شيئاً سوى حمايتك من مصير يراه يومياً في غرف الرعاية المركزة. النظام الغذائي السليم هو حجر الزاوية، لكن هدم أعمدة العلاج الدوائي بدعوى "العودة للطبيعة" هو قفزة في المجهول.. غالبًا ما تنتهي بسقوط مدوٍ.

 
 
 

تعليقات


شعار الدكتور خالد أبو الدهب

خالد أبو الدهب

  • Instagram
  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2023 خالد أبو الدهب

bottom of page