top of page

هل هجوم أبرهة والفيل على مكة حقيقة أم أسطورة؟ قراءة في ميزان العلم والتاريخ

  • صورة الكاتب: khaled A.
    khaled A.
  • 29 يونيو
  • 3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 6 يوليو

قراءة في ميزان العلم والتاريخ


أثار بعض المفكرين والباحثين معارك فكرية حول مدى واقعية قصة «أصحاب الفيل» وهجوم الملك الحبشي أبرهة على مكة. استندوا إلى حجة لوجستية قوية: كيف لفيلٍ أن يقطع صحاري الجزيرة العربية القاحلة لمسافة 1200 كم دون أن يموت عطشًا أو جوعًا؟ بل وذهب البعض إلى أن أبرهة مات قبل ميلاد الرسول بموجب بعض النقوش.


لكي نجيب عن هذا السؤال بمنهجية علمية مجردة، يجب أن نزن الحقائق التاريخية والأثرية المتاحة في ميزان البحث الحرج.


1. الأدلة الأثرية: هل «أبرهة» شخصية حقيقية؟


قبل مناقشة الحملة، يجب أن نحسم حقيقة وجود القائد نفسه. على عكس الكثير من شخصيات التاريخ القديم التي نعتمد فيها على الروايات الشفهية فقط، فإن أبرهة الأشرم شخصية تاريخية موثقة بيقين أثري قاطع. لدينا نقوش صخرية بالخط المسند الجنوبي اكتشفها علماء الآثار تؤكد وجوده وحكمه، ومنها:


  • نقش حصن الغراب ونقش سد مأرب (Ry 506): يوثقان استيلاء أبرهة على السلطة في اليمن كقائد عسكري ثم كملك مستقل (قرابة عام 535 ميلادية)، وإعادة إعماره لسد مأرب العظيم بعد تهدمه.

  • نقش «بئر مريغان الأول» (Murayghān 1): وهو الدليل الأبرز على تحركاته العسكرية؛ حيث يوثق النقش قيادة أبرهة لجيش ضخم وتوغله في عمق الجزيرة العربية لإخضاع القبائل الشمالية ونجد (مثل قبيلة مَعَدّ) في عام 552 ميلادية.


2. معضلة التاريخ: متى مات أبرهة ومتى ولد الرسول؟


القول بأن أبرهة مات قبل ميلاد الرسول ﷺ ينبع من خطأ في دمج التواريخ. حيث ظن البعض أن نقش عام 552 م هو توثيق لحملة الفيل نفسها، وبما أن الرسول ولد عام 571 ميلادية، قالوا بوجود فارق زمني يمتد لـ 19 عامًا.


لكن التحقيق التاريخي ومقارنة المصادر البيزنطية (مثل المؤرخ بروكوبيوس) والسريانية يثبتان ما يلي:


  • حكم أبرهة الطويل: أبرهة لم يمت بعد حملة 552 م، بل استمر حكمه في اليمن لقرابة ثلاثة عقود.

  • تاريخ الوفاة وميلاد الرسول: تشير الوثائق التاريخية المتطابقة إلى أن وفاة أبرهة كانت بين عامي 569 و 571 ميلادية، وهو التاريخ الذي يتطابق فلكيًا وتاريخيًا مع «عام الفيل» الذي ولد فيه الرسول محمد ﷺ (أبريل 571 م). الرواية التاريخية ترجح أن أبرهة قاد حملته الأخيرة نحو الحجاز في أواخر حياته، ومات متأثرًا بالمرض والوباء أثناء انسحابه أو فور عودته إلى صنعاء، لينتهي حكمه وتبدأ مرحلة ميلاد النبي ﷺ.


3. جغرافيا الطريق واستخدام الفيلة


الحملة العسكرية لأبرهة لم تخترق رمالًا قاحلة كصحراء الربع الخالي، بل سلكت «طريق الهضاب المرتفعة» المحاذي لجبال السروات (طريق البخور واللبان القديم). هذا المسار تنتشر على طوله آبار حفرتها الممالك القديمة ومحطات للقوافل الوفيرة.


أما عن الفيل، فالمبالغات الروائية المتأخرة التي تصورت جيشًا من الأفيال تصطدم مع المنطق اللوجستي. لكن المصادر الإسلامية المبكرة والأكثر رصانة (مثل ابن إسحاق) تتحدث عن «فيل واحد» (يُدعى محمود) أو بضعة أفيال محدودة جدًا. ولم يكن الفيل أداة قتال تكتيكية بين الجبال، بل كان «سلاح ردع نفسي وسيكولوجي» لإرهاب قبائل الحجاز التي لم ترَ هذا المخلوق قط. وهو تكتيك عسكري شهير استخدمته الممالك المعاصرة له كالسيراليونيين والبيزنطيين.


4. نهاية الجيش: التفسير الطبي والوبائي


تذكر المصادر أن جنود أبرهة أصيبوا بمرض تسبب في تمزق جلودهم وتساقط أطرافهم («كعصف مأكول»). من الناحية العلمية الطبية، يتطابق هذا الوصف تمامًا مع أعراض تفشي أوبئة فتاكة في القرن السادس الميلادي مثل «الجدري» (Smallpox) أو الأشكال الحادة من «الطاعون» (مثل طاعون جوستنيان الذي ضرب المنطقة في تلك الحقبة). دخول جيش غريب في بيئة جديدة وتفشي وباء سريع ومفاجئ بين صفوفه كان كفيلًا تاريخيًا بإبادة فيالق كاملة وكسر الحملة عسكريًا في أيام معدودة.


5. أهمية البحث العلمي في التاريخ


إن البحث العلمي في التاريخ له دور كبير في فهم الأحداث بشكل دقيق. عندما نستخدم الأدلة الأثرية والمصادر التاريخية، نتمكن من إعادة بناء الأحداث بشكل أكثر وضوحًا. هذا يساعدنا على فهم كيف أثرت تلك الأحداث على المجتمعات في ذلك الوقت.


6. الأسئلة التي تثيرها الأحداث التاريخية


تثير الأحداث التاريخية العديد من الأسئلة. لماذا حدثت؟ ما هي العوامل التي أدت إلى تلك الأحداث؟ كيف أثرت على المجتمعات؟ هذه الأسئلة تساعدنا على التفكير بشكل أعمق في التاريخ وكيف يمكن أن يؤثر على الحاضر.


خاتمة


إن محاولة إنكار الحدث التاريخي بالكامل بدعوى استحالة نقل الأفيال تغفل قدرات الممالك الكبرى في العصر القديم. الشواهد الأثرية والنقوش تثبت أن أبرهة قاد حملات لعمق الحجاز، والتوثيق المقارن يثبت أنه عاصر فترة ميلاد النبي ﷺ وتوفي قرابة عام 571 م. إثارة الأسئلة اللوجستية مفيدة جدًا لتنقية التاريخ من المبالغات القصصية، لكنها تقف عاجزة عن إلغاء حقيقة تاريخية تدعمها نقوش الصخر وذاكرة الشعوب.


المصادر العلمية والأثرية المحدثة:


  • روبان، كريستيان. «النقوش الحميرية وأثرها في توثيق القرن السادس الميلادي».

  • عرفان شهيد. «بيزنطة والعرب في القرن السادس» (Byzantium and the Arabs in the Sixth Century).

  • جواد علي. «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» (المجلد السادس).

  • نقش بئر مريغان الأثري (Ry 506 & Murayghān 1).

 
 
 

تعليقات


شعار الدكتور خالد أبو الدهب

خالد أبو الدهب

  • Instagram
  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2023 خالد أبو الدهب

bottom of page