top of page

وهم المعرفة في الطب: كيف يفسر "تأثير دانينغ-كروجر" ظاهرة "نظام الطيبات"؟

  • صورة الكاتب: khaled A.
    khaled A.
  • قبل 6 أيام
  • 3 دقيقة قراءة

في عصر ثورة المعلومات، أصبح الوصول إلى المعلومة الطبية أسهل من أي وقت مضى. بضغطة زر، يمكنك قراءة مقالات عن أندر الأمراض، أو مشاهدة مقاطع فيديو تعدك بالشفاء التام من أمراض مزمنة. لكن هذا الوصول السهل جلب معه فخاً نفسياً خطيراً يُعرف في علم النفس بـ "تأثير دانينغ-كروجر" (Dunning-Kruger Effect).

فما هو هذا التأثير؟ وكيف يمكن له أن يفسر الانجراف الجماعي وراء نظريات طبية غير مثبتة علمياً، ولعل أبرزها في الآونة الأخيرة جدل "نظام الطيبات" للطبيب الراحل ضياء العوضي؟

ما هو تأثير دانينغ-كروجر؟

ببساطة، هو انحياز إدراكي يجعل الأشخاص ذوي المعرفة السطحية أو المحدودة في مجال ما، يبالغون في تقدير كفاءتهم ومعرفتهم.

يبدأ المنحنى بما يُسمى "قمة الغباء" (Mount Stupid)، حيث يقرأ الشخص مقالاً أو يشاهد فيديو مبسطاً، فيشعر فجأة بثقة عارمة بأنه فهم الموضوع برمته. ومع التعمق الحقيقي في الدراسة، يدرك الشخص مدى تعقيد الأمر، فتهبط ثقته في مرحلة "وادي اليأس"، ولا تبدأ ثقته الحقيقية بالنمو إلا بعد سنوات من الدراسة والخبرة المتخصصة.

في الرعاية الصحية، هذا التأثير قاتل. فهو الذي يجعل المريض يجادل طبيباً أفنى 15 عاماً في دراسة الأورام، معتمداً على منشور قرأه في مجموعة على فيسبوك.

حالة للدراسة: الدكتور ضياء العوضي و"نظام الطيبات"

في السنوات الأخيرة، برز اسم الطبيب الراحل ضياء العوضي (أخصائي التخدير والرعاية المركزة) بعد إطلاقه ما أسماه "نظام الطيبات". اعتمد هذا النظام على تقسيم قاطع للأطعمة إلى "مسموحات" (طيبات) و"ممنوعات" (خبائث)، مع ادعاءات بأن هذا النظام الغذائي قادر على علاج جذري لأمراض مزمنة ومعقدة مثل السكري، أمراض الكلى، بل وحتى الأورام، وتقليل الاعتماد على الأدوية التقليدية.

لاقى النظام رواجاً شعبياً هائلاً، لكنه في المقابل قوبل برفض قاطع من المجتمع العلمي، انتهى بقرار نقابة الأطباء المصرية ووزارة الصحة بشطب اسمه من سجلات المهنة قبل وفاته بفترة قصيرة، نظراً لترويجه لمعلومات طبية غير مثبتة بالدليل العلمي وتدخله في تخصصات دقيقة بعيدة عن تخصصه الأصلي.

كيف نرى تأثير "دانينغ-كروجر" بوضوح في هذه القصة المشتركة بين الطبيب وجمهوره؟

1. تأثير دانينغ-كروجر على المرضى والجمهور

أعطى "نظام الطيبات" للمرضى إجابات بسيطة جداً (أبيض وأسود / كُل هذا ولا تأكل هذا) لمشاكل طبية في غاية التعقيد. هنا، صعد آلاف المرضى إلى "قمة الثقة الزائفة".

  • وهم التحكم: المريض الذي يعاني من مرض مناعي معقد أو سكري متذبذب، وجد في الفيديوهات المبسطة شريان حياة يخبره أن الحل في يده وبسيط. هذا الفهم السطحي منحه ثقة هائلة جعلت الكثيرين يتخذون قرارات كارثية بوقف أدوية حيوية (مثل الإنسولين أو العلاج الكيماوي) دون استشارة أطبائهم المتخصصين.

  • رفض العلم المعقد: الطب الحقيقي يعتمد على الاحتمالات، الإحصائيات، والأدلة السريرية المتغيرة (Evidence-Based Medicine). هذا التعقيد يزعج العقل البشري الذي يميل للحلول السحرية، مما جعل المقتنعين بالنظام في حالة رفض وتكذيب لأي طبيب متخصص يحاول تحذيرهم، معتقدين أنهم "عرفوا السر" الذي يخفيه عنهم باقي الأطباء.

2. تأثير دانينغ-كروجر والممارسة الطبية

لا يقتصر تأثير دانينغ-كروجر على العوام فقط، بل قد يقع فيه المهنيون أيضاً عندما يخرجون من دائرة تخصصهم الدقيق.

  • فخ الخروج عن التخصص: د. ضياء العوضي (رحمه الله) كان طبيباً جيدا في تخصصه الأصلي (التخدير والرعاية المركزة). ولكن، كما يؤكد العلم، التفوق في فرع طبي لا يعني الإلمام التلقائي بفروع أخرى دقيقة كعلم الغدد الصماء (Endocrinology) أو الأورام (Oncology). عندما يبدأ ممارس في تطبيق نظريات عامة على أمراض خارج تخصصه، دون المرور بقنوات البحث العلمي المعتمدة (التجارب السريرية والأبحاث المحكمة)، فإنه يقع في فخ المبالغة في تقدير كفاءة نظريته وتعميمها.

  • تجاهل البروتوكولات: ثقة الممارس العالية بنظريته الشخصية قد تجعله يرى أن البروتوكولات الطبية العالمية "مؤامرة" أو "قاصرة"، متناسياً أن هذه البروتوكولات لم تُكتب إلا بعد أن اجتازت آلاف التجارب ودراسات الحالة (مرحلة الاستدامة والخبير في منحنى دانينغ-كروجر).

الخلاصة: الطب ليس وجهة نظر

قصة "نظام الطيبات" هي تذكير صارخ بخطورة تأثير دانينغ-كروجر في الرعاية الصحية. صحة الإنسان أعقد بكثير من أن تُختزل في قائمة طعام، والطب ليس وجهة نظر أو اجتهاداً فردياً يُنشر عبر يوتيوب، بل هو تراكم هائل من الأبحاث والتجارب السريرية الصارمة.

لكي نحمي أنفسنا من وهم المعرفة:

  1. احذر التبسيط المفرط: إذا كان العلاج لمرض مزمن يبدو بسيطاً جداً وسحرياً، فهو على الأرجح غير صحيح.

  2. احترم التخصص: كما لا تطلب من مهندس كهرباء أن يبني لك أساسات عمارة، لا تأخذ علاج السكر أو الأورام إلا من طبيب متخصص في هذا المجال الدقيق.

  3. العلم بالدليل: النظريات الطبية لا تُثبت في استوديوهات البرامج أو عبر مقاطع الفيديو، بل تُثبت في المعامل والمؤتمرات العلمية والمجلات الطبية المحكمة.

الاعتراف بحدود معرفتنا هو الخطوة الأولى والأهم نحو الشفاء الحقيقي وتجنب الانزلاق في وديان الوهم.


 
 
 

تعليقات


شعار الدكتور خالد أبو الدهب

خالد أبو الدهب

  • Instagram
  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2023 خالد أبو الدهب

bottom of page