top of page

البعد المستحدث: "مرض الترند" وتسليع الطب على السوشيال ميديا

  • صورة الكاتب: khaled A.
    khaled A.
  • 18 يونيو
  • 3 دقيقة قراءة



الثالوث الطارد للاطباء: غياب الحماية، تَّدَني الأجور، والضغط النفسي

هذا التناقض خًلق بيئة عمل وصفتها تقارير نقابية متعددة بأنها "بيئة طاردة بامتياز"، ويمكن تلخيص أسبابها في ثلاثة محاور:


غياب الحماية القانونية والأمنية: يعيش الطبيب في مصر تحت تهديد دائم بالاعتداء البدني من قِبل أهالي المرضى في غياب التأمين الحقيقي للمستشفيات. فضلًا عن غياب قانون عادل للمسؤولية الطبية يُميز بين "المضاعفات العلمية الواردة" و"الإهمال الطبي الجسيم"، مما يجعل الطبيب مهددًا بالحبس الاحتياطي مع المجرمين الجنائيين لأسباب فنية بحتة.


التدني الحاد في المقابل المادي: يتقاضى الطبيب حديث التخرج راتبًا لا يفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية، فضلًا عن تكاليف الدراسات العليا والماجستير التي يتكبدها من جيبه الخاص، مما يضطره للعمل في ٣ أو ٤ جهات في آن واحد للاستمرار.


تشويه الصورة الذهنية: ساهمت بعض التناولات الدرامية والإعلامية في ترسيخ صورة مشوهة للطبيب؛ إما "ملاك مثالي" لا يجوز له الخطأ أو التعب أو طلب مقابل مادي، وإما "تاجر جشع" يمتص دماء المرضى في عيادته الخاصة.


........من "كليات القمة" إلى "تأشيرة خروج"

أمام هذا الضغط الثلاثي (المادي، والأمني، والاجتماعي)، تحولت كليات الطب في نظر طلابها وخريجيها من بوابة للمكانة المحلية إلى "تأشيرة خروج حتمية".

ولم تعد الهجرة مجرد رغبة في تحسين الدخل، بل غدت "طوق نجاة" للبحث عن الكرامة الإنسانية والمهنية.


تشير الأرقام والبيانات المتتابعة الصادرة عن نقابة الأطباء في السنوات الأخيرة إلى واقع مخيف؛ حيث استقال آلاف الأطباء من العمل الحكومي، وتوجهت الأغلبية العظمى منهم إلى دول الخليج العربي، بريطانيا، ألمانيا، وكندا.....

إن الطبيب المصري الذي يُتهم محليًا بالتقصير والجشع، يثبت كفاءة منقطعة النظير فور خروجه، ويحظى بالتقدير المادي والمعنوي الذي حُرم منه في وطنه.


خاتمة: خطر تفريغ المنظومة

إن استمرار المجتمع في ممارسة هذا التناقض — شتم الأطباء ومطالبتهم بالمعجزات مع تمني اللقب للأبناء — لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: تفريغ مصر من كفاءاتها الطبية.


إذا لم تدرك المنظومة والمجتمع معًا أن الطبيب بشرٌ يحتاج إلى بيئة عمل آمنة، وأجر عادل، وحماية قانونية، وتقييم موضوعي بعيدًا عن العواطف، فإن المستشفيات المصرية ستجد نفسها قريبًا أمام مبانٍ بلا أطباء. وحينها، لن تنفع الوجاهة الاجتماعية ولا المجموع المرتفع في الثانوية العامة، فالمرض لا يعترف بالألقاب، بل يعترف بوجود الطبيب الذي هجرناه.. فهاجر.


إلى جانب الثالوث التقليدي الطارد للأطباء، دخلت المنظومة الصحية والمجتمعية في مصر نفقًا مظلمًا جديدًا خلال السنوات

الأخيرة، يمكن تسميته بـ "مرض الترند ولهاث المشاهدات". هذا الوباء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتسلية، بل تحول إلى أداة لإنتاج نوعين من التشوه في العلاقة بين الطبيب والمجتمع:


أولًا: صناعة "شيطنة الأطباء" الافتراضية


أصبح الطبيب والمنظومة الصحية مادة دسمة وسهلة لكل باحث عن "الترند" وزيادة التفاعل. أي مشاجرة في استقبال مستشفى، أو شكوى مرسلة من مريض دون التحقق من تفاصيلها العلمية، تتحول فورًا إلى فيديو "بث مباشر" (Live) أو تدوينة نارية تحصد آلاف المشاركات. يتم محاكمة الأطباء شعبيًا على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تصدر أي لجنة فنية أو جهة تحقيق رأيها. هذا الضغط الرقمي يدفع الأطباء للشعور بأنهم مستباحون تمامًا، وأن كرامتهم المهنية والشخصية تُذبح يوميًا على مذبح "اللايكات" و"الشير".


ثانيًا: سقوط بعض الأطباء في فخ الـ "Medical Influencer"


على الجانب الآخر، وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية الخانقة، انجرف بعض المنتسبين للمهنة (وخاصة من جيل الشباب) وراء هذا المرض الرقمي ذاته. فظهر ما يُعرف بـ "طبيب السوشيال ميديا" أو الـ Medical Influencer، الذي يتخلى أحيانًا عن رصانة المهنة وقسمها السري في مقابل اعتلاء "الترند".


رأينا مؤخرًا نماذج لأطباء يقومون بتصوير المرضى (بعلمهم أو بدون علمهم في انتهاك صارخ للخصوصية)، أو استخدام لغة شعبوية فجة، أو استغلال أسرار العيادات والمستشفيات لإثارة الجدل وصدمة الجمهور من أجل الشهرة وجلب الزبائن لعياداتهم الخاصة كنوع من التسويق الرخيص.


النتيجة: رصاصة الرحمة على ثقة المجتمع


هذا التداخل المقيت بين "هوس الترند" والطب أدى إلى نتيجتين كارثيتين:


زيادة الهجوم المجتمعي: فالجمهور بات يرى النماذج السلبية فقط تتصدر الشاشات، مما يعزز فكرة "الجشع والإهمال".


نفور الأطباء الشرفاء: وجد آلاف الأطباء الحقيقيين الذين يعملون بصمت في ظروف قاسية أنفسهم متهمين بجريرة "أطباء الترند"، ومستهدفين من "صُنّاع الترند".


هذه الأجواء الرقمية المسمومة، التي تغيب فيها الحقائق وتتسيدها اللقطة، أطلقت رصاصة الرحمة على ما تبقى من ثقة متبادلة بين المريض وطبيبه، وعجلت بقرار الهجرة للكثيرين الذين آثروا الحفاظ على كرامتهم المهنية والعيش في بيئات تحترم العلم وتحمي خصوصية المهنة بعيدًا عن سيرك السوشيال ميديا


 
 
 

تعليقات


شعار الدكتور خالد أبو الدهب

خالد أبو الدهب

  • Instagram
  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2023 خالد أبو الدهب

bottom of page